03 - 09 - 2026

إبداعات | وضاعتْ تضحياتي هباءً - قصة قصيرة

إبداعات | وضاعتْ تضحياتي هباءً - قصة قصيرة

حين وصلتُ إلى هذه المرحلة التي استقام فيها عودُه، وصار يعرفُ الحقَ والباطلَ، والصوابَ والخطأَ، والخيرَ والشرَ، والحلالَ والحرامَ، على أعتاب دخوله الجامعة، تيقنتُ أن تضحياتي ضاعت هباءً في سبيل إسعاده، وأن الأنثى حين تخلو حياتها من النفعية الخاصة، وتضحي بوقتها وجهدها ومالها لأجل غيرها فإن مكاسبها في الحياة لا تكون ذات قيمة، ولا تستدرك ذلك كله إلا حين لا يكون هناك مناص.

في البداية لم يكن هناك رابط حقيقي، والجميع نصحني بعدم الارتباط بهذا الشخص؛ فقد تقدم لكثيرات قبلي، ولم يزكه سوى جماله وإنفاقه وبذخه، لكني شعرت بأن القدر يدفعني للارتباط به، وما هي إلا سنة في حياة طبيعية، حملت فيها، وولدت ابني الوحيد، وأسميته على اسم جده لأبيه وأبي، كان يسافر كثيراً، وحين يعود يحمل لنا خيرات العالم كله، يعطي الجميع؛ لقرابتهم منه ولاستمالتهم إليه، وقد وضحت هذه الاستمالة فيما بعد، حين اختلفنا ووجدت الجميع يقف إلى جانبه رغم أنه لم يكن على صواب.

استطاعت زوجة صديقه أن تأخذه مني، كانت تغار عليه مني، وتمنعه من النزول في أجازات لرؤية ابنه ورؤيتي، لم يتعلق بنا، بعد عدة أشهر من إنجابي علمت أنها انفصلت عن زوجها، ثم تزوجها زوجي، لم يدخل عليَّ بها كزوجة، لكنها كانت تحمل الهدايا بالقنطار للجميع.

ضيَّق عليَّ مسكني، وجعل أمه وأخته وزوجة أخيه يقمن معي في الشقة، فصار انفساحها ضيقاً، وعددن عليَّ أنفاسي، ومع الوقت أدركت أن هذا طرد من الشقة، فجاء الطلاق، والهروب من هذا الجحيم.

تعلقتُ بابني الرضيع فأخذتُه وهربت به لبيت أبي، ثم أهملني طليقي فأقمتُ دعوى حضانة، فحكمت لي المحكمة بـ500 جنيهاً شهرياً، ومع الوقت اضطررتُ للعيش والإقامة في الإسكندرية فأبلغتُهم أن المبلغَ ضعيفٌ، فتعجبوا وقالوا لي: هل تسكنين في المالديف وتطالبيننا بدفع التكاليف؟

مع توالي الأحداث السياسية حدث تضخم اقتصادي شديد، ومع وفاة أبي تغيرت الحياة للأسوأ، وضاقت الأرزاق والنفوس، ولم يعد أحدٌ يتحملني، ابني الصغير أبوه يتهرب من مسؤولياته، ولا يتوق لرؤيته، وانقطعت أخباره عنا تماما، وصارت أخته هي حلقة الوصل الوحيدة بيننا، ترسل إليَّ المبلغ الزهيد، فاضطررتُ للنزول إلى سوق العمل، سوق العمل مرهق ومبالغ في إرهاقه وإذلاله لغير ذوي المحسوبية والمكانة المرموقة، لكنه عملٌ والسلام، يستغرقُ الوقتَ عوضاً عن التفكير، والجهدَ عوضاً عن الكسل والتراخي والترهل وزيادة الوزن بخطورته المتعددة.

 تقدم أكثر من رجل للخطبة، لكني فضلت ابني على الجميع.

وحين كبُر ابني وبلغ سن المسئولية، بات يراني العائق الوحيد أمام التمتع بثراء أبيه، لا يعلم أن تلك المرأة قد ألقت حبائلها، فالتقى فيه وفي زوجة أبيه قول القائل: النساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون، فرأى ابني ثراء أبيه الذي حرص كل الحرص أن يكون عياناً للجميع، يعوِّض به فقر الطفولة والشباب، ويريد أن يكون الأكثر لفتاً للأنظار، لعل الثراء يعطيه قيمة اجتماعية، رأى هذا الثراء ورأى حرمانه منه، فنظر إليَّ نظرة السجَّان للسجين المحكوم له بالبراءة، غير أنَّ سجَّانه يُخفي عليه الحكمَ، ويستلذُ بإنزال العذاب عليه.

حاولت تذكيره بأنني طالبتُ مراراً زيادة مخصصاته من أبيه لكنه لا يستجيب، ولا يطلب رؤيته إلا نادراً وعلى فترات متباعدة، وذكَّرته بتضحياتي بشبابي وجمالي وعدم الزواج من أجله، لكنه في سن المراهقة لم يبال إلا بمتعه ولذاته المحجوبة عنه لصالح غيره بسببي.

اليوم أجاهد أن أظلَّ امرأةً طبيعيةً، وسط هذا الغلاء والعِناد والحرب اليومية في البيت، حتى أنني صرتُ أرى المسكنَ سجناً ومحلاً للعذاب النفسي بسبب أبيه.

فأدركتُ أن فلاسفة النفعية كانوا على حق، فلو تركت الولد لأهله، وخرجت صفراً لكنت قد جمعت ثروة من زواجي وعملي بعيداً عن المسؤولية العنيفة والمتواصلة.

أعزي نفسي بأن لدي ولداً واحداً، فكيف بمن لديها الكثير ومات زوجها أو هجرها أو طلقها، إنَّ المرأة جاءت الحياة لترتوي من صنوف العذاب، وتتألم كل ألوان الآلام، ثم تُهمل وتهان، ويضيع تاريخ عطائها المذهل للآخر، فلابد من إحداث ثورة ضد تلك الحضارة المقيتة التي تنحاز للذكورية البغيضة غير المسؤولة، لكن هذا كله هراء، وما هي إلا قرابة عقدين من الزمان ضاعا في الحسرة ونكران الجميل، ولا سبيل للانتقام، واليوم أراني أعود بخفي حنين من رحلة الحياة التي تعتصرني في كهولتي وتنتظرني شيخوخة معذبة، وعليَّ أن أتعزى مع عبد الوهاب حين قال: ضحيت هناي فداه.
-------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش